السيد هاشم البحراني
646
البرهان في تفسير القرآن
الخضر : إن القياس لا مجال له في علم الله وأمره * ( وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِه خُبْراً ) * ؟ قال له موسى : * ( سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّه صابِراً ولا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ) * فلما استثنى المشيئة قبله . قال : * ( فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْه ذِكْراً ) * فقال موسى ( عليه السلام ) : لك ذلك علي . فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها الخضر ( عليه السلام ) ، فقال له موسى ( عليه السلام ) : * ( أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ) * قال : * ( أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) * ؟ ! قال موسى ( عليه السلام ) : * ( لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ) * أي بما تركت من أمرك * ( ولا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ) * . * ( فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَه ) * الخضر ( عليه السلام ) ، فغضب موسى ( عليه السلام ) وأخذ بتلابيبه وقال له : * ( أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ) * ؟ ! قال له الخضر : إن العقول لا تحكم على أمر الله تعالى ذكره ، بل أمر الله يحكم عليها ، فسلم لما ترى مني واصبر عليه ، فقد كنت علمت أنك لن تستطيع معي صبرا . قال موسى ( عليه السلام ) : * ( إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً ) * . * ( فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ ) * وهي الناصرة ، وإليها تنسب النصارى * ( اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) * فوضع الخضر ( عليه السلام ) يده عليه فأقامه فقال له موسى ( عليه السلام ) : * ( لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْه أَجْراً ) * ؟ قال له الخضر ( عليه السلام ) : * ( هذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْه صَبْراً ) * فقال : * ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ ) * صالحة * ( غَصْباً ) * فأردت بما فعلت أن تبقى لهم ، ولا يغصبهم الملك عليها ، فنسب إلا بانة « 1 » في هذا الفعل إلى نفسه لعلة ذكر التعييب ، لأنه أراد أن يعيبها عند الملك حتى إذا شاهدها فلا يغصب المساكين عليها ، وأراد الله عز وجل صلاحهم بما أمره به من ذلك . ثم قال : * ( وأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواه مُؤْمِنَيْنِ ) * فطبع « 2 » كافرا ، وعلم الله تعالى ذكره أنه إن بقي كفر أبواه وافتتنا به وضلا بإضلاله إياهما ، فأمرني الله تعالى ذكره بقتله ، وأراد بذلك نقلهم إلى محل كرامته في العاقبة ، فاشترك « 3 » في الإبانة بقوله : * ( فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وكُفْراً فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْه زَكاةً وأَقْرَبَ رُحْماً ) * وإنما اشترك في الإبانة لأنه خشي ، والله لا يخشى لأنه لا يفوته شيء ، ولا يمتنع عليه أحد أراده ، وإنما خشي الخضر من أن يحال بينه وبين ما أمر فيه فلا يدرك ثواب الإمضاء فيه ، ووقع في نفسه أن الله تعالى ذكره جعله سببا لرحمة أبوي الغلام ، فعمل فيه وسط الأمر من البشرية مثل ما كان عمل في موسى ( عليه السلام ) ، لأنه صار في الوقت مخبرا ، وكليم الله موسى ( عليه السلام ) مخبرا ، ولم يكن ذلك باستحقاق الخضر ( عليه السلام ) للرتبة على موسى ( عليه السلام ) وهو أفضل من الخضر ، بل كان لاستحقاق موسى للتبيين . ثم قال : * ( وأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وكانَ تَحْتَه كَنْزٌ لَهُما وكانَ أَبُوهُما صالِحاً ) * ولم
--> ( 1 ) في المصدر في جميع المواضع : الأنانيّة ، والظاهر أنّ المراد الإرادة . ( 2 ) في « ق » و « ج » : فطلع . ( 3 ) في « ق » و « ط » : فأشرك ، في الموضعين .